المقريزي

374

إمتاع الأسماع

وروى البلاذري عن عباس بن هشام عن أبيه عن جده ، عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم قلنسوة أسماط ، يعني جلودا ، وكانت فيها نقبة . وقال هشام بن عمار : حدثنا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل يوم خيبر على بغلته الشهباء ، وعليه ممطر سيجان ، وعليه عمامة ، وعلى العمامة قلنسوة من الممطر السيجان . قال هشام : والساج : الطيلسان الأسود ( 1 ) . وروى أنه عليه السلام ترك

--> ( 1 ) الطيلسان : شبه الأردية ، يوضع على الرأس والكتفين والظهر ، وهو بفتح اللام ، وأحد الطيالسة ، والهاء في الجمع للعجمة ، لأنه فارسي معرب ، وهو الساج أيضا ، وقال ابن خالويه في ( شرح الفصيح ) : يقال للطيلسان الأخضر : الساج ، وفي ( المجمل ) لابن فارس : الطاق الطيلسان . فقال ابن القيم : لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه لبسه ، ولا أحد من أصحابه ، بل ثبت في ( صحيح مسلم ) ، من حديث النواس بن سمعان ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الدجال فقال : يخرج معه سبعون ألفا من يهود أصبهان عليهم الطيالسة . ورأى أنس جماعة عليهم الطيالسة فقال : ما أشبههم بيهود خيبر . قال : ومن ها هنا كره جماعة من السلف والخلف ، لما روى أبو داود ، والحاكم في ( المستدرك ) ، أنه قال : ( من تشبه بقوم فهو منهم ) ، وفي الترمذي : ( ليس منا من تشبه بغيرنا ) . وأما ما جاء في حديث الهجرة أنه صلى الله عليه وسلم جاء إلى أبي بكر رضي الله عنه متقنعا بالهاجرة ، فإنما فعله صلى الله عليه وسلم تلك الساعة ليختفي بذلك للحاجة ، ولم يكن عادته صلى الله عليه وسلم التقنع . وذكر أنس عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر القناع . وهذا إنما كان يفعله للحاجة من الحر ونحوه . وقال شيخ الإسلام الولي ابن العراقي في ( شرح تقريب الأسانيد ) : التقنع معروف ، وهو تغطية الرأس بطرف العمامة أو بردائه أو نحو ذلك . وقال ابن الحاج في ( المدخل ) : وأما قناع الرجل فهو أن يغطي رأسه بردائه ، ويرد طرفه على أحد كتفيه . وأما قول ابن القيم : إنه صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك للحاجة ، فيرد عليه حديث سهل بن سعد ، أنه صلى الله عليه وسلم كان يكثر القناع ، رواه البيهقي في ( الشعب ) ، والترمذي . وللبيهقي في ( الشعب ) أيضا ، وابن سعد في ( الطبقات ) ، من حديث أنس بلفظ : يكثر التقنع ، فهذا وما أشبهه يرد قول ابن القيم : أنه لم ينقل عنه أنه صلى الله عليه وسلم لبسه . وأما قوله : ولا أحد من أصحابه ، فيرده ما أخرجه الحاكم في ( المستدرك ) ، بسند على شرط الشيخين ، عن مرة بن كعب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر فتنة فقربها ، فمر رجل مقنع في ثوب ، فقال : هذا يومئذ على الهدى ، فقمت ، فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله عنه . وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن أبي العلاء قال : رأيت الحسن بن علي يصلي وهو مقنع رأسه . وأخرج ابن سعد عن سليمان بن المغيرة قال : رأيت الحسن يلبس الطيالسة ، وأخرج عن عمارة ابن زاذان قال : رأيت على الحسن طيلسانا أندقيا " نسبة إلى أندق قرية في سمرقند " . وأما ما ذكره ابن القيم من قصة اليهود ، فقال الحافظ ابن حجر : إنما يصلح الاستدلال به في الوقت الذي تكون الطيالسة من شعارهم ، وقد ارتفع ذلك في هذه الأزمنة ، فصار ذلك داخلا في عموم المباح ، وقد ذكره ابن عبد السلام في ( أمثلة البدعة المباحة ) ، وقد يصير ، من شعار قوم فيكون تركه من الاخلال بالمروءة ، وقيل : إنما أنكر أنس ألوان الطيالسة لأنها كانت صفراء ، والله تعالى أعلم . ( المواهب اللدنية ) : 2 / 449 - 450 ، ( طبقات ابن سعد ) : 1 / 460 ، ( شعب الإيمان ) : 5 / 172 - 177 ، ( المستدرك ) : 4 / 211 - 212 ، حديث رقم ( 7401 / 48 ) من كتاب اللباس .